الشيخ الأنصاري
172
مطارح الأنظار ( ط . ج )
فالظنّ بالمخالفة يلازم الظنّ بالعقاب ، أو قلنا بأنّ العقاب من توابع الإدراك ، فيختلف بحسب اختلاف مراتبه علما وظنّا ، يتّجه الملازمة المذكورة ، وبطلانه ظاهر ، فالمستدلّ إن أراد إثبات إناطة التكليف بالظنّ أيضا ، فلا يخفى فساده ، إذ هو من الدور المحال حيث إنّه قد احتاج في إثبات مطلوبه وهو اعتبار الظنّ إلى اعتبار الظنّ . وأمّا الثاني ، فلأنّه لا ملازمة أيضا بين الظنّ بالحكم وبين الظنّ بالمفسدة عند المخالفة وإن كانت المفسدة مقتضية للحكم ؛ لاحتمال الحبط والتكفير ، فلو ظننّا بحرمة العصير العنبي وخالفنا حكم الظنّ فيه ، فلا يلازم حصول الظنّ بالوقوع في المفسدة المقتضية للحرمة ؛ لاحتمال صدور فعل منّا رافع لها على ما قال سبحانه وتعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ « 1 » وذلك ظاهر لكنّه لا يخفى ما فيه ؛ فإنّ المعلوم من طريقة العقلاء في جلب المنافع ودفع المضارّ - سواء كان متعلّقا بأمور معاشهم أو أمور معادهم - إحراز مقدّماتها وعدم الاعتناء باحتمال حصول شيء رافع لها ، فمتى ما حصل لنا الظنّ بوجوب شيء أو حرمته ، وقلنا بتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد - كما هو المفروض - فيكفي في الحكم بلزوم التحرّز عن تلك المضارّ المترتّبة على مخالفة الحكم المظنون ، ولا عبرة باحتمال حصول شيء يكفرها كما يظهر من ملاحظة حال العقلاء في احترازهم عن أكل السمّ مع احتمال حصول ترياق يعالجه . فإن قلت : مع ذلك كلّه فلا يتمّ « 2 » الاستدلال حيث إنّ الكلام في المقام ليس إلّا من جهة دفع العقاب في مخالفة الظنون ، وأمّا الوقوع في المضارّ التي لا ترجع إلى العقاب ، فلا نبالي « 3 » به بعد ما لم يكن ممّا يترتّب عليه العقاب ، وقد عرفت آنفا عدم ترتّبه عند المخالفة بما لا مزيد عليه . فإن قلت : قد طابق حكم العقل حكم الشرع في وجوب دفع الضرر ، ألا ترى أنّ
--> ( 1 ) . هود : 114 . ( 2 ) . « ل » : لا يتمّ . ( 3 ) . « ل » : فلا يبالي .